تكاد الصورة المثالية البراقة للنظام الإسلامي في تركيا ممثلاُ بحزب العدالة والتنمية التركي الذي يرأسه رجب طيب أردوغان أخذت بعداً اسلاموياً طيباً, ومثالاً يحتذى به في الشارع الإسلامي الشعبوي؟! وقد رسم حزب العدالة والتنمية في الذي نجح بامتياز في رسم صورة طيبة عالية الدقة له في العالم الإسلامي والغرب, لكن لابد من القول أن الذئب سيبقى ذئباً حتى لو ليس ألف فروة حمل وديع فسيبقى ذئباً, وهو الذي ظهر أمام العالم بأنه ضحية الإرهاب الكردي المتمثل بحزب العمال الكردستاني, و ضغط بشدة وزج بآلاف من نشطاء حزب المجتمع المدني, ثم جاء قرار المحكمة العليا التركية التي نجحت بامتياز في رسم صورة لها أنها محكمة محايدة وقراراتها مستقلة, وغير خاضعة لسلطة أحد أو لتأثيرات قوى شوفينية تركية متطرفة, لكن واقع الحال يحكي لنا حقيقة أن هذه المحكمة لا تملك أية استقلالية كاملة, وأن حكمها جاء سياسي أكثر من أية اعتبارات أخرى؟!
لقد استبشر الشارع الكردي والعالمي بخطوات رسل السلام التي سلمت أنفسها إلى السلطات التركية, نجحت في رسم صورة حمامة السلام على أكمل وجه مبشرة بالسلام بين الشعبين التركي والكردي وجعلت العالم يصدق ما يجري على الساحة السياسية الكردية التركية ويثمن هذه البوادر العملياتية وخاصة من الجانب الكردي الجدي في حل هذا الصراع الذي لم يجلب سوى الدمار وآلاف القتلى والجرحى من الطرفين دون حل.
ومن المستحسن هنا أن تعاد الذاكرة إلى الصورة الحقيقة لهذا الفتح الامتداد التركي الذكي الخبيث والذي يضاهي السياسية العثمانية في رسم صورة دينية له بامتياز والذي امتد أخطبوطيا إلى خارطة العالم شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً, شرب من الدم القرمزي وأخضع الممالك والحصون لملك رفعت من أبناء (آغوز) القبلية التي ارتقت وارتفع شأنها كثيراً في العالم الإسلامي, ثم جاء الزمن والأتاتوركي لاحقاً كما قال احمد شوقي:
الله أكبر كم في النصر من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
وهنا تتراءى حقيقة أخرى لاغبار عليها وهي أن هذا الاخطبوط الرهيب ينسل بخفة لامتناهية يبحث عن اجترار التاريخ والجغرافيا غير آبه لأية عواقب كانت من القبل الشركاء الآخرين في الشرق الأوسط, والحقيقة التاريخية الأخرى أن الشركاء الآخرين فتحوا الديار لهم وهي بالتأكيد نتيجة ضعف استراتيجي دولي في المنطقة وحسابات إقليمية معقدة, لكن هذا الشهر العسل التركي العربي لن يدوم طويلاً!
لكن لهذا الذئب ألف برقع وبرقع يتخفى به, ويظهر في صورة الحمل المسالم الوديع, لكن هيهات أن يستطيع أن يخفي وجه الحقيقي وقلبه الأسود, وهذا ما أعلنته إحدى مؤسسات البحث والتقصي والإحصاء الأوربية , ففي هذا الاستبيان الذي أجري في تركيا وسألوا عن محبتهم للشعوب الذين يعيشون معهم أو نظرتهم إلى الشعوب البعيدة في القارات الأخرى؟
فوجدوا أن سبعون بالمائة من الأتراك يكرهون الشعوب الأخرى وهم يرون أنفسهم فوق العالم, وأن ثقافة العنصرية هي جزء أساسي في نسغ تفكيرهم وجبلوا في شيء اسمه الكراهية, وعدم الاعتراف بالشريك الآخر من الكرد في تركيا الذين تقدر الإحصائيات الأخيرة أن مجموع سكان تركيا وصل إلى ال مائة مليون نسمة, فمن المؤكد أن الكرد يشكلون حوالي ال خمس وعشرون ماليوناً ويتعرضون إلى أشرس الحملات الإرهابية من زج مئات الأطفال في السجون التركية, والهجوم الشرس على قناة روج تف التي تقوم بنشاطات إعلامية على درجة مقبولة في رسالتها, والوقوف أمام الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط على قدر من المسؤولية, ولكن كل ذلك لم يرق للترك, ومن المؤكد أنهم أي الكرد لو فتحوا قناة تلفزيونية كردية مستقلة على ظهر المريخ فإنهم سيقفون ضد هذه المحطة فما بالك ب محطة (روج Tv) التي تقف نداً قوياً لهم في تبيان الحقائق على أرض الواقع, وتفند مزاعم ديمقراطيتهم المشروخة والمفصلة على القياس المحير؟!
ولابد أخيراً أن الأتراك سيندموا على كل هذا النزيف والدم الذي أريق خلال هذا الصراع الطويل من الحرب المدمرة لكل شيء, ولابد للترك أن يتخلوا عن سياسة الاستعلاء القومي تجاه الآخرين ويحلوا المسألة الكردية بود وحب.
Siyamendbrahim@gmail.comشارك بهذا الموضوع في صفحتك على الفيسبوك
