أقول بخبر يونس عليه السلام :
(إن رحل عنا فالعذاب نازل وإن أقام بيننا لم نبال)
غادرنا وبيته لم ينتهي من الكسوة ولم يقف عن الصعود طيلة حياته فالبناء بلا مصعد سيرجع البيت على العظم ، نعم رحل وخلف ولم ينم لأن ذوقه كان رفيعاً جداً ، وشيع جثمانه إلى مثواه الأخير ، هكذا مكتوب على كل النعوات ، وإنشاء الله تنور القبر بعمله الصالح وقد استهلك وقته وجهده من دون معصية الله والخوض من أجل مبادئ شعبه المضطهد والمجرد من كافة الحقوق القومية والسياسية والثقافية والاجتماعية وحتى من أبسط العادات والتقاليد وحرية الرأي والتعبير ، ومن خلال حركة نشطة.
فلنقف جميعنا أمام القبر ونقول سبحان الله ، الإنسان منا ليحاسب نفسه هل يحتاج إلى معجونة للقبر أو تحتاج إلى تصليحات فيه كلنا ، عندنا رغبة بالكمال ولكن ضع في حسابك أن هذا القبر نهاية المصير أرجوكم هل يوجد قبر من نوع خمس نجوم والله ما سمعت بها ولكن هناك نجوم الظهر يدفن ساعة وجودها والقبر صندوق العمل .
إذاً (الثمرة الأول للإيمان العمل الصالح) وأنت مخلق للعمل الصالح ، بل إن العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله.
والطموح يختار أعظم الأعمال لأنها عالي الهمة وهي أعلى شيء من الأعمال ، وكلما اتسعت رقعة الأعمال كلما أمتد أمد العمل الصالح من كتاب أو قول فعل بالعمل ، كلما أمتد أمده وتوارثت ثماره أجيال وأجيال.
وكلما تغلغل العمل الصالح في كيان الإنسان كله – المادي – والنفسي – والاجتماعي – والروحي – حتى يتحقق به وجود الإنسان ورسالته في الحياة ، كان العمل أعظم.
إذاً عند كثيرين منا حجب وهي التوسع بالمباحات ليس عندنا أية معصية ، ولا صغائر ، ولا كبائر ، لا كبائر باطنة ، ولا كبائر ظاهرة ، ولا بدع عملية ، ولا بدع قولية ، ولا شرك ، ولا عقيدة زائغة ، كله والحمد لله .
كامل ولكن توسع بالمباحات ، عندما يئس الشيطان من هذا الإنسان أن يحمله على الكفر ، وجد عنده إيماناً بالله قوياً ، فلما يئس أن يحمله على الشرك ورأى أن توحيده قوي ، فلما يئس أن يحمله على الكبائر وجد عنده استقامة ، فلما يئس أن يحمله على الصغائر وجد عنده ورعاً ، فلما يئس مِنه أن يبتدع رآه من أهل السُنّة ، فلما يئس ، فلما يئس بقي عنده ورقةٌ رابحة وهي :
( المباحات )
عندما ندخل إلى بيوت بحكم التعزية ، يكون لقريب لأحد إخواننا يقول لك :
مات خالي ، مات عمي ، أذهب لكي أعزي ، أجد بيتاً وآليات وأراضي وكروم ومزارع ثمنه لا تقدر ، أين صاحبه ؟ بالباب الصغير أي القبر .
في عدة مرات إن علمت بالوفاة لصاحب أوقريب أو معروف أو جار أو فقير أو غني بالمال أو بالعلم والمعرفة – أرى بيوتهم أو بعض القصور صاحبه توفي بعمر قصير وفيهم طوال القامة والقبر قصيراً لحكمة أرادها الله ، فلما وضع في القبر لم يسعه القبر فجاء المنزل ودفعه من صدره فانثنى وتقوس صاحب هذا القصر ينام هذه النومة في القبر ، هذه حكمة من حِكَم الله عز وجل .
فالمباحات صار الناس الآن يتوسعون بها كثيراً ، وأحسبها من الحجب التي تحجب عن الله تبارك وتعالى .
لا تغفل يا أيها الإنسان فأنت لماذا خلقت في الدنيا ؟ خلقت لمعرفة الله ، وأنت مخلوق للعمل الصالح ، غفل عن سر وجوده وغاية وجوده ، هذا حجاب أهل الغفلة .
آخر حجاب :
ذكره فيه إحراج ، إنسان توهم أن الدين كله بهذا الشيء ، فاهتم بهذا الشيء ، وبالغ به ، ونسي بقية فروع الدين ، فقد تجد إنساناً يرى أن الدين فقط فقه ، لكن الدين عقيدة ، والدين استقامة ، والدين عمل صالح ، الدين صلة بالله .
فهو عنده أن الدين فقه فقط ، لا يعرف بالدين إلا الفقه ، وإنسان آخر لا يعرف من الدين إلا التجويد ، والتجويد ضروري وحق ، ولكنه جزء من الدين ، وما هو الدين كله ، إنسان آخر لا يفهم من الدين إلا الرَد على أهل الكفر ، يقول لك :
مفكر إسلامي ولكنه لا يصلي .
فهم الدين فهماً مشوّهاً ، فأخذ جانباً منه وغفل عن بقية الأشياء ، هذا أيضاً محجوب .
هذه عشرة حُجُب :
1- العقيدة الزائغة -2- وحجاب الشرك الخفي -3- وحجاب البِدَع القولية -4- وحجاب البدع العملية -5- وحجاب أهل الكبائر الباطنة -6- وحجاب أهل الكبائر الظاهرة -7- وحجاب أهل الصغائر -8- وحجاب أهل التوسُّع في المُباحات – 9- وحجاب أهل الغَفْلَة -10- وحجاب المجتهدين الذين غفلوا عن مقاصد الدين الكبرى.
هذه عشرة حجب تحجب عن الله عز وجل ، والسعادة كل السعادة ، والسلامة كل السلامة ، والأمن كل الأمن ، والفلاح كل الفلاح ، والنجاح كل النجاح ، والرضا كل الرضا في طاعة الله ، والقرب منه ، والهلاك والشقاء بالبُعد عنه ، ومخالفة أمره ، فكل شيء يقرّبك مِن الله ينبغي أن تعتني به ، وكل شيء يبعدك عن الله ينبغي أن تبتعد عنه .
إنّ قيمة العمل تزداد ، كيف ؟ تزداد قيمة العمل إذا كَثُرَت المعوّقات في سبيله ، هذا العمل دونه عقبة، وذاك العمل أمامه عقبة ، وهذا العمل فيه مسؤولية ، وذاك العمل متعب ، وهذا العمل له مضاعفات ، كلما كثرت المعوِّقات في سبيله ، تزداد قيمته .
إذاً أنت كإنسان ، لابد من أن تغادر هذه الدنيا ، ما هو أعظم عملٍ صالح على الإطلاق ؟ هو العمل المستمر بعد الموت ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
" إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " *
أي العمل المستمر بعد وفاة الإنسان ، هناك أعمال لا تعد ولا تحصى تنتهي عند الموت ، لكن هناك أعمال ولو أنك غادرت الحياة الدنيا ، فهي في صحيفتك إلى أبد الآبدين ، فابحثوا عن عملٍ لا ينتهي مع الموت ، ابحثوا عن عملٍ يستمر بعد الموت .
في حديث آخر للنبي عليه الصلاة والسلام ، تضمن تفصيلات لهذه الثلاث قال : " إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ "*
هنيئاً لمن كانوا تحت الثرى ، والناس مهتدون بهديهم ، سعداء بأعمالهم ، لقد أصبحوا عظاماً ، لكن الناس مهتدون بهديهم سعداء بأعمالهم ، ولي كلمة كنت أقولها دائماً نقلتها عن بعض التابعين :
" فاعل الخير خيرٌ من الخير ، وفاعل الشر شرٌ من الشر " ، كيف ؟ وما هو العمل الشرير الكبير؟ هذا الذي ألقى قنابل على حلبجة ، وقتل أكثر من خمسة ألف إنسان في دقائق وثوانٍ ، مضى على العمل أثنى وعشرون عاماً ، أغلب الظن لو أن القنابل لم تلق وقتها ، لماتوا الآن موتًا طبيعيًا ، فهذا الشر انتهى ، أما هذا الذي أمر بقتل هؤلاء ، سيشقى إلى أبد الآبدين بهذا العمل ، فصار فاعل الشر شرٌ من الشر .
لكن إنسانًا أسس مساجد ، وشيَّد مدارس ومعاهد ، وأقام دار أيتام ، وبنى مستشفيات ، هذه كلها أعمال طيبة ، وهذه الأعمال تنتهي مهمتها يوم القيامة ، انتهى نفعها ، وأساساً انتهى التكليف كله ، أما صاحبها فيسعد بهذه الأعمال إلى أبد الآبدين .
أتمنى عليكم أن تبحثوا عن عملٍ صالح لا ينقطع بالموت ، يستمر بعد الموت .
والحمد لله رب العالمين
أزدشير – سوريا 30/7/2010
شارك بهذا الموضوع في صفحتك على الفيسبوك
